يدخل لبنان مرحلة شديدة الخطورة تتزاحم فيها الاستحقاقات من دون أن يمتلك ترف الوقت أو القدرة على تحمّل مغامرة جديدة. مستقبل الجنوب بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل”، مصير مرتفعات علي الطاهر، الجولة المقبلة من المفاوضات، مؤتمر دعم الجيش، والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، كلها ملفات تضع الدولة أمام اختبار مصيري: إما أن تستعيد قرارها، وإما أن يبقى لبنان عالقاً داخل حرب يقررها حزب الله، ويخوضها اللبنانيون رغماً عنهم، ثم يدفعون ثمنها وحدهم.
وسط هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى الكلمة المرتقبة لرئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه. أهمية الكلمة لا تتصل بالمناسبة وحدها، بل بالتوقيت السياسي الذي تأتي فيه، وبالسؤال عن المسافة التي يمكن أن يذهب إليها بري بين شراكته مع حزب الله ومسؤوليته عن حماية لبنان والبيئة الشيعية من مواجهة جديدة.
يدرك بري أن الجنوب لم يعد يحتمل جولة أخرى، وأن الخطر لا يقتصر على الغارات الإسرائيلية، بل يشمل احتمال فرض وقائع عسكرية وجغرافية يصعب التراجع عنها لاحقاً. كما يدرك أن سقوط “اليونيفيل” من المعادلة، من دون بديل دولي واضح وانتشار فعلي للجيش، قد يترك الجنوب مفتوحاً أمام الاحتلال والفوضى والمواجهات. لذلك يُنتظر أن تحدد كلمته ما إذا كان سيتقدم أكثر باتجاه الدولة والتفاوض، أم سيكتفي بمحاولة تدوير الزوايا داخل الثنائية الشيعية.
لكن حزب الله استبق كلمة بري برفع مستوى هجومه على السلطة اللبنانية. هاجم نعيم قاسم المفاوضات واتهم الدولة بالتنازل عن السيادة، فيما ذهب الشيخ أحمد قبلان إلى استهداف رئاسة الجمهورية بلغة تصعيدية. وكأن المطلوب محاصرة أي موقف قد يصدر عن بري، ورسم حدود سياسية مسبقة لا يجوز له تجاوزها.
هذا التصعيد لا يعكس قوة بقدر ما يكشف خشية حزب الله من انتقال القرار تدريجياً إلى الدولة. فالحزب لا يريد فقط الاحتفاظ بسلاحه، بل يريد الاحتفاظ بحق تحديد مفهوم السيادة نفسه: السيادة تكون صحيحة عندما تبرر سلاحه، وتصبح تنازلاً عندما تمارسها المؤسسات الدستورية.
غير أن السؤال الذي لم يعد ممكناً الهرب منه هو: إلى متى سيبقى حزب الله مستعداً للمخاطرة بنا؟
لا يمكن تبرئة إسرائيل من عدوانها أو انتهاكاتها واحتلالها أراضي لبنانية. مسؤوليتها عن قتل المدنيين وتدمير القرى وفرض وقائع بالقوة ثابتة، ولا تسقط تحت أي ذريعة. لكن إدانة إسرائيل لا تعني أن نغلق أعيننا عن القرارات التي منحَتها الفرصة لتوسيع حربها على لبنان.
في المرة الأولى، قرر حزب الله فتح جبهة الجنوب تحت عنوان “إسناد غزة”. لم يستشر الدولة، ولم يسأل اللبنانيين إن كانوا يريدون دخول الحرب، ولم يحسب قدرة بلد منهار على تحمّل نتائجها. اتُخذ القرار من خارج المؤسسات، لكن الكلفة وُزعت على الجميع: قتلى وجرحى ونازحون وقرى مدمرة واقتصاد تلقى ضربة إضافية.
أما في المرة الثانية، فقد أطلق الحزب ستة صواريخ أعادت إشعال المواجهة على نطاق واسع. وحين خرج نعيم قاسم لتبرير القرار، ربط الرد بالانتهاكات الإسرائيلية وباستهداف المرشد الإيراني علي خامنئي. وبعيداً عن محاولات تغليف القرار بعنوان لبناني، بقيت الحقيقة السياسية واضحة: دخل لبنان حرباً جديدة كرمى لعيون خامنئي.
ستة صواريخ لم تحرر أرضاً، ولم تحمِ قرية، ولم تبدّل ميزان القوى. لكنها كانت كافية لكي تستخدمها إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها، وإعادة احتلال أراضٍ لبنانية، وتهجير المزيد من السكان، وفرض واقع جديد في الجنوب. والآن يُطلب من الدولة والجيش والمفاوض اللبناني معالجة نتائج قرار لم يشاركوا في اتخاذه.
هنا يصبح السؤال عن جدوى السلاح مشروعاً وملحاً: أي سلاح هذا الذي لا يمنع الحرب، ولا يردع إسرائيل، ولا يحمي الناس، لكنه يمتلك في كل مرة القدرة على استدعاء الكارثة؟
الأكثر غرابة أن حزب الله الذي يهاجم الدولة لأنها تفاوض، لا يرى مشكلة في أن يفاوض هو. فقد أعلن القيادي فيه محمود قماطي أن الحزب لا يغلق الباب نهائياً أمام التواصل المباشر مع واشنطن، وأن القرار يتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة.
وهنا تسقط كل محاضرات التخوين دفعة واحدة. يمكن لحزب الله أن يفاوض الولايات المتحدة، التي أمضى عقوداً يصفها بـ”الشيطان الأكبر”، عندما يرى أن مصلحته تستدعي ذلك، لكن لا يحق للدولة اللبنانية أن تفاوض لحماية أرضها وإنهاء الحرب؟
هل تصبح المفاوضات خيانة فقط عندما تجريها الدولة، ثم تتحول إلى واقعية سياسية عندما يحتاج إليها الحزب؟ وهل يحق لتنظيم مسلح أن يفتح قنواته الخاصة مع واشنطن بشأن مستقبل لبنان، فيما يهاجم رئيس الجمهورية والحكومة لأنهما يتفاوضان باسم اللبنانيين؟
المشكلة إذاً ليست في التفاوض، بل في هوية من يمسك به. حزب الله يريد احتكار قرار الحرب وقرار التفاوض معاً. يريد أن يطلق الصواريخ عندما يختار، وأن يفتح قنوات التواصل عندما يحتاج، وأن يترك للدولة مهمة إحصاء الضحايا والبحث عن المساعدات وإعادة إعمار ما دمرته خياراته.
من هنا تكتسب كلمة بري أهميتها. فرئيس مجلس النواب ليس مراقباً محايداً، ولا يستطيع البقاء طويلاً بين منطقين متناقضين: منطق الدولة التي تحاول منع انهيار البلاد، ومنطق حزب يصر على إبقاء لبنان جزءاً من ساحته الإقليمية.
بري يعرف أن البيئة الشيعية دفعت الكلفة الأكبر من هذه الحروب. أهل الجنوب والبقاع والضاحية هم الذين خسروا أبناءهم ومنازلهم وأرزاقهم، وهم أول من سيدفع ثمن أي مواجهة جديدة. لذلك لم يعد كافياً الاكتفاء بلغة غامضة تجمع بين دعم الدولة وحماية سلاح الحزب. المرحلة تحتاج إلى موقف يحدد بوضوح من يقرر الحرب، ومن يفاوض، ومن يملك السلاح، ومن يتحمل المسؤولية.
المفاوضات قد لا تحقق كل مطالب لبنان، وقد تحاول إسرائيل استخدامها لفرض شروطها. لكن البديل عنها ليس نصراً مضموناً، بل مزيد من القتل والاحتلال والتهجير. ومن يرفض المسار السياسي عليه أن يقدم للبنانيين طريقاً واقعياً يحمي أرضهم، لا أن يطلب منهم انتظار نصر جديد فوق أنقاض منازلهم.
كذلك، فإن دعم الجيش ليس مؤامرة على الطائفة الشيعية، وحصر السلاح ليس خدمة لإسرائيل، واستعادة الدولة لقرارها ليست استسلاماً. الاستسلام الحقيقي هو قبول اللبنانيين بأن يبقى وطنهم ساحة تستخدمها إيران كلما احتاجت إلى جبهة، وأن تبقى دماؤهم ورقة تفاوض في ملفات لا علاقة لهم بها.
جربنا “إسناد غزة”، ثم جربنا إطلاق الصواريخ للرد على مقتل خامنئي. وفي المرتين، اتخذ حزب الله القرار ودفع لبنان الثمن. واليوم، بعدما صارت أرضنا محتلة وقرانا مدمرة ومستقبل الجنوب مهدداً، يخرج الحزب ليحمّل الدولة مسؤولية النتائج ويهاجمها لأنها تحاول التفاوض.
فإلى متى سنبقى عالقين في هذا الجنون؟
لبنان ليس جبهة إسناد، ولا صندوق بريد إيرانياً، ولا ورقة في يد حزب يقرر الحرب ثم يفاوض على نتائجها. لبنان دولة، أو يفترض أن يكون. وحان الوقت لكي يصبح قرار حمايته في يد مؤسساته وجيشه، لا في يد من يطلق ستة صواريخ ثم يترك وطناً كاملاً يحصي خسائره.















