من يُشعل الحروب... ومن يدفع الفاتورة؟
ليس المشهد الذي شهده لبنان أخيراً مجرد تجمعات في الشوارع أو دراجات نارية أو هتافات عابرة؛ فالقصة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتصل بالسؤال القديم – الجديد الذي يلاحق اللبنانيين منذ سنوات: من يقرر مصير هذا البلد؟ الدولة أم القوى التي تتصرف أحياناً وكأنها تمتلك حقاً موازياً لحق الدولة، أو متقدماً عليه؟
اليوم، بينما تحاول الدولة اللبنانية التقاط أنفاسها والخروج من ركام مرحلة ثقيلة، يبدو أنها تواجه مفارقة قاسية: أن يُطلب منها ترميم ما تهدّم، في الوقت الذي تُحمّل فيه أوزار قرارات لم تكن صاحبة القرار فيها أساساً. فكيف يُحاسَب من لم يضغط على الزناد؟ وكيف يُطلب من الدولة أن تتحمل وحدها نتائج خيارات لم تُصنع داخل مؤسساتها؟
هنا تكمن المعضلة الحقيقية. حين تُتخذ قرارات مصيرية ترتبط بالحرب والسلم خارج الإطار الرسمي للدولة، يصبح اللبنانيون جميعاً شركاء في دفع الثمن، حتى أولئك الذين لم يُسألوا ولم يُستشاروا ولم يُعطوا حق الموافقة أو الرفض. وعندما يحين وقت الحساب، تعود الأنظار فجأة نحو الدولة: أين الدولة؟ لماذا لم تحمِ الناس؟ لماذا لم تؤمّن النازحين؟ لماذا لم تمنع الانهيار؟
لكن السؤال الذي يسبق كل هذه الأسئلة هو: هل مُنحت الدولة أصلاً حق القرار؟
إن الدولة ليست صندوق طوارئ يُفتح عند الأزمات ثم يُغلق عند تعارضه مع الحسابات السياسية. ليست جهة يُلجأ إليها عند الحاجة، ثم يُسحب منها حقها السيادي حين تصبح قراراتها غير مرغوبة. فالسيادة ليست موسمية، ولا تُجزّأ وفق المصالح.
ومن هنا يبدو خطاب أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، مثيراً لتساؤلات كثيرة حين يحمّل الدولة مسؤولية ما جرى أو يلمّح إلى أنها فرّطت بالجنوب. فكيف يمكن قلب الطاولة على الدولة ومطالبتها بدفع فاتورة قرارات لم تكن صاحبة القرار فيها؟ وكيف تُطالَب بتحمّل تبعات الحرب وتأمين النازحين وإعادة بناء ما تهدّم، بينما يُنتزع منها في الأصل حقها الحصري في قرار الحرب والسلم؟ فالدولة ليست جهة تُستدعى عند الأزمات ثم يُطعن بسيادتها عندما تتعارض مع الحسابات السياسية.
الأكثر إيلاماً أن الجنوب، الذي دفع مراراً أثماناً باهظة من أرضه وبيوته وناسه، يتحول في كل مرة إلى دفتر خسائر مفتوح. فالأهالي هناك ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار، وليسوا تفصيلاً صغيراً يُضاف إلى حسابات السياسة. خلف كل منزل مهدّم حكاية، وخلف كل نزوح عمر اقتُلِع من جذوره.
لبنان لم يُخلق ليكون ساحة بريد بين مشاريع الخارج، ولا صندوق رسائل لتصفية الحسابات الإقليمية. لبنان بلد له دولة، وله شعب، وله حق في أن يعيش بعيداً عن منطق المحاور والولاءات العابرة للحدود. فالأوطان لا تُبنى عندما تتحول بوصلتها إلى الخارج، بل حين تصبح مصلحتها الوطنية هي الاتجاه الوحيد.
لقد تعب اللبنانيون من دفع فواتير لا يكتبون بنودها، ومن الاستيقاظ كل مرة على حرب لم يختاروها، ثم يُطلب منهم لاحقاً التصفيق للصمود وسط الركام. ما يحتاجه هذا البلد ليس انتصار فريق على آخر، بل انتصار الدولة نفسها؛ لأن الدولة، مهما تعثرت، تبقى المظلة الوحيدة التي تتسع للجميع.














