لبنان المحرَّر لم يتحرّر
أماني شعبان
في الخامس والعشرين من أيار من كل عام، يعود عيد المقاومة والتحرير إلى واجهة المشهد اللبناني كأنه لحظة نهائية في التاريخ، لحظة أُغلقت فيها صفحة الاحتلال إلى الأبد، وانتهى فيها زمن الحرب وبُنيت فيها سيادة مكتملة. تُرفع الشعارات ذاتها، تُعاد السرديات نفسها، ويُطلب من اللبنانيين أن يتعاملوا مع هذا اليوم كأنه "نقطة نهاية" لا يجوز مساءلتها.
لكن بعد ستةٍ وعشرين عاماً، لا يبدو السؤال اللبناني الحقيقي مرتبطاً بتلك اللحظة، بل بما تلاها هل تحوّل التحرير إلى دولة؟ أم تحوّل إلى ذاكرة سياسية تُستخدم بينما الدولة نفسها لم تكتمل؟
الحقيقة القاسية أن لبنان، منذ العام 2000، لم يعش يوماً سيادة مكتملة. خرج الاحتلال الإسرائيلي من معظم الجنوب، لكن الدولة لم تدخل بالكامل إلى هذا الجنوب، ولم تحتكر يوماً قرار الحرب والسلم، ولم تنجح في تحويل لحظة التحرير إلى مشروع دولة مستقرة.
كان يفترض أن يكون التحرير بداية مرحلة مختلفة، انتقال السلاح إلى المؤسسات، تثبيت القرار السيادي داخل الدولة، وإقفال مرحلة الحرب نهائياً. لكن ما حدث هو العكس بدل أن تُستعاد الدولة، بدأ تدريجياً بناء توازن قوة موازٍ لها، خارج منطق المؤسسات.
في البداية، تم تبرير هذا الواقع تحت عنوان "استكمال التحرير" ووجود نقاط نزاع مثل مزارع شبعا. لكن مع مرور الوقت، لم يبقَ الأمر مرتبطاً فقط بالاحتلال، بل أصبح جزءاً من بنية سياسية وأمنية أوسع داخل لبنان نفسه، جعلت من السلاح عنصراً ثابتاً في معادلة الحكم، لا مجرد أداة مقاومة ظرفية.
ثم جاء العام 2005 ليشكّل نقطة التحول الأخطر في المسار اللبناني. اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل لحظة كسرت ما تبقى من توازن داخلي هش. بعده، دخل لبنان مرحلة طويلة من الاغتيالات السياسية التي طالت وجوهاً سيادية وإعلامية وأمنية، أبرزها سمير قصير، جبران تويني، جورج حاوي، بيار الجميّل وغيرهم الكثير من وجوه سياسية وإعلامية وأمنية، حتى عام 2021 واغتيال لقمان سليم.
للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية، شعر قسم كبير من اللبنانيين أن البلد دخل زمن الاغتيال المنظم لتغيير المعادلات السياسية بالقوة. وخلال تلك السنوات، لم يكن اللبناني يخاف فقط من إسرائيل، بل أصبح يخاف من الداخل أيضاً من الكلمة، من الموقف السياسي، ومن سقف الاعتراض المسموح وبدأت عبارة "قبل السحسوح وبعده" تنتشر. وفي تلك المرحلة، بدأ مفهوم "المقاومة" يتغير داخل الوعي اللبناني، فبعد أن كان مرتبطاً بتحرير الأرض، صار مرتبطاً أكثر فأكثر بالصراع الداخلي والإقليمي
هذا التحول ترافق مع حرب تموز 2006، التي أعادت إدخال لبنان في مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل، بكلفة بشرية ومادية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه عمّقت سؤالاً لم يُحسم حتى اليوم، من يملك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم في لبنان؟ وهل هذا القرار فعلاً بيد الدولة، أم خارجها؟
الإجابة العملية ظهرت بشكل أكثر وضوحاً في 7 أيار 2008. ذلك اليوم لم يكن مجرد أزمة سياسية، بل لحظة أعادت تعريف ميزان القوة داخل البلد. استخدام السلاح داخل بيروت لم يكن تفصيلاً عابراً، بل نقطة مفصلية أكدت أن الدولة اللبنانية لا تحتكر وحدها أدوات القوة، وأن القرار السياسي يمكن أن يُحسم خارج المؤسسات الدستورية.
منذ تلك اللحظة، دخل لبنان مرحلة "السيادة المنقوصة"، دولة قائمة شكلياً، لكن قرارها الفعلي محكوم بتوازن قوى يتجاوز مؤسساتها. انتخابات تُجرى، حكومات تُشكّل، ومؤسسات تعمل، لكن فوقها جميعاً معادلة قوة تحدد حدود القرار السياسي.
لاحقاً، ومع الحرب السورية، توسع الدور العسكري لحزب الله خارج الحدود اللبنانية، ما عمّق أكثر فأكثر انخراط لبنان في صراعات إقليمية لا يملك وحده قرارها. ومع ذلك، ظل الداخل اللبناني يعاني من انقسام سياسي حاد حول معنى الدولة والسلاح والسيادة، بدل التوجه نحو حسم هذه الأسئلة.
في موازاة ذلك، كان البلد يدخل مرحلة انهيار اقتصادي غير مسبوق منذ 2019، انهيار العملة، تفكك النظام المصرفي، تآكل الطبقة الوسطى، وهجرة جماعية واسعة. لكن الأخطر من الانهيار الاقتصادي كان استمرار الانقسام حول طبيعة الدولة نفسها، في وقت كانت فيه الدولة تفقد قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية.
ثم جاءت المواجهات الجديدة على الحدود الجنوبية منذ 2024 لتعيد إدخال الجنوب في دائرة الحرب مجدداً، مع دمار واسع ونزوح متكرر، وكأن لحظة العام 2000 لم تكن نهاية حرب، بل استراحة بين موجتين من الصراع.
هنا تصبح المفارقة اللبنانية واضحة وقاسية، لبنان الذي احتفل بالتحرير العام 2000، لا يزال حتى 2026 يعيش داخل معادلة حرب لم تُغلق، ودولة لم تكتمل، وسيادة لم تُحسم.
ولهذا، فإن "عيد المقاومة والتحرير" لا يمكن التعامل معه كذكرى مكتملة فقط، بل كمدخل لسؤال أعمق ماذا يعني التحرير إذا لم يتحول إلى دولة؟ وما معنى الانتصار إذا بقي المواطن يعيش تحت تهديد الحرب، والانقسام، وغياب القرار السيادي الواحد؟
فالبلد الذي يعيش فيه المواطن خائفاً من الحرب في أي لحظة، ليس بلداً محرراً بالكامل. والبلد الذي يمكن أن يُؤخذ إلى مواجهة إقليمية من دون إجماع وطني ومؤسساتي، ليس سيد قراره بالكامل. والبلد الذي عاش عشرين عاماً من الاغتيالات والانقسامات والتخوين والسلاح المنفلت، لا يمكنه أن يتحدث بثقة عن سيادة مكتملة.
التحرير الحقيقي سيكون يوم ينسحب الإسرائيلي من آخر شبر محتل، نعم.
لكنه سيكون أيضاً يوم يعود القرار اللبناني إلى الدولة اللبنانية وحدها. يوم يصبح الجيش وحده مسؤولاً عن الحدود. يوم لا يُقتل صحافي بسبب رأيه، ولا يخاف سياسي من موقفه، ولا يشعر المواطن أن هناك دولتين داخل وطن واحد.
ذلك اليوم فقط، ربما، يستطيع لبنان أن يحتفل فعلاً بعيد التحرير.











