كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى أن المقاربة الأميركية تجاه ملف سلاح حزب الله تتجه في المرحلة المقبلة نحو التدرّج في التنفيذ، لا التراجع عن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، في وقت يجري فيه العمل على اختبار قدرة الجيش اللبناني على فرض سلطته في مناطق محددة قبل الانتقال إلى مراحل أوسع.
وبحسب المعطيات، فإن فكرة “المناطق التجريبية” باتت جزءاً أساسياً من هذا المسار، باعتبارها وسيلة لاختبار قدرة الدولة على استعادة السيطرة الأمنية تدريجياً من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله. وتعتبر المصادر أن نجاح هذه التجربة سيحدد إلى حد كبير شكل المرحلة التالية، ولا سيما لناحية توسيع انتشار الجيش وفتح مناطق جديدة أمام آليات التفتيش والتحقق.
وتشير القراءة الدبلوماسية للمشهد إلى أن واشنطن لا تبدو مستعدة للدخول في معركة مفتوحة لفرض نزع السلاح بالقوة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد إبقاء الملف مفتوحاً إلى ما لا نهاية. لذلك يجري الدفع باتجاه صيغة تقوم على إنجازات ميدانية متراكمة: ينتشر الجيش، يفرض وجوده، تتم معالجة مواقع السلاح، ثم تنتقل التجربة إلى منطقة أخرى.
وهذه المقاربة تضع حزب الله أمام معادلة مختلفة. فالمطلوب منه عملياً ليس اتخاذ قرار شامل ومفاجئ بتسليم سلاحه، بل التعامل مع توسع سلطة الدولة على الأرض خطوة بعد خطوة. وهذا ما قد يفسر حساسية المرحلة المقبلة، لأن نجاح الجيش في منطقة واحدة سيجعل الانتقال إلى منطقة ثانية أكثر قابلية للتنفيذ، بينما أي مواجهة أو تعطيل قد يعيد طرح السؤال حول قدرة الدولة على تنفيذ قرارها.
في المقابل، لا تزال إسرائيل تتعامل مع الملف من زاوية مختلفة. فبالنسبة إليها، المعيار ليس فقط انتشار الجيش، وإنما مدى اختفاء القدرة العسكرية لحزب الله من المناطق التي يفترض أن تنتقل إلى سلطة الدولة. ومن هنا يستمر الضغط العسكري بالتوازي مع المسار السياسي، بما يجعل أي تقدم لبناني في ملف حصر السلاح عاملاً أساسياً في تحديد مستوى التصعيد الإسرائيلي.
وتكشف هذه المعادلة أن المفاوضات لا تدور فعلياً حول بند واحد اسمه “السلاح”، بل حول ترتيب كامل للخطوات: أين ينتشر الجيش؟ ماذا يحصل في المناطق التي يُفترض أنها خالية من السلاح؟ من يتحقق من ذلك؟ ماذا تفعل إسرائيل في المقابل؟ ومتى يمكن اعتبار منطقة ما انتقلت فعلياً إلى سلطة الدولة؟
وهنا تبرز أهمية الدور الدولي في آليات التحقق، لأن واشنطن تريد ضمانات عملية بأن الانتشار اللبناني لا يبقى شكلياً، فيما تريد إسرائيل آلية تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية في المناطق التي يفترض أنها أصبحت تحت سيطرة الدولة.
أما أيلول، فتعتبره المصادر محطة مفصلية في هذا المسار، ليس باعتباره موعداً نهائياً لنزع السلاح، بل باعتباره اختباراً لمدى نجاح النموذج التدريجي. فإذا تمكن الجيش من تثبيت حضوره في المناطق الأولى، فمن المرجح أن ينتقل النقاش إلى توسيع التجربة. أما إذا ظهرت عوائق ميدانية أو سياسية، فقد تعود الضغوط الأميركية والإسرائيلية إلى الواجهة بصورة أقوى.
واللافت أن واشنطن تبدو وكأنها تحاول كسب الوقت لمصلحة الدولة اللبنانية، لا لمصلحة بقاء الوضع القائم. فالتدرّج بالنسبة إليها لا يعني تجميد الملف، بل تحويله من معركة واحدة كبيرة حول السلاح إلى سلسلة خطوات صغيرة يصعب التراجع عنها بعد تنفيذها.
وبمعنى آخر، فإن الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط ما إذا كان حزب الله سيعلن موافقته على حصر السلاح بيد الدولة، بل ما إذا كان سيقبل بأن تتوسع سلطة الدولة عملياً على الأرض من دون أن يعرقلها.
وهنا تكمن حساسية أيلول: نجاح المرحلة المقبلة قد يثبت أن الدولة قادرة على استعادة صلاحياتها تدريجياً، فيما فشلها قد يعزز لدى إسرائيل والولايات المتحدة القناعة بأن الأدوات السياسية وحدها غير كافية.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى معركة على من يملك القرار الأمني الفعلي على الأرض، أكثر منها معركة على إعلان سياسي جديد. فإذا نجح الجيش في تثبيت هذا القرار، يصبح نزع السلاح مساراً قابلاً للتنفيذ. أما إذا بقي القرار موزعاً بين الدولة وحزب الله، فسيبقى لبنان أمام معادلة التصعيد المفتوح، مهما تبدلت صيغ المفاوضات والمهل.













