عقوبات واشنطن وخناق «حزب الله»: حين يتحول الإنكار إلى بديل عن المحاسبة
العقوبات الجديدة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على «حزب الله» ليست حلقة عابرة تُضاف إلى سجل طويل من الإجراءات، بل رسالة سياسية ومالية لا تحتمل التأويل: واشنطن تتعامل مع الحزب بوصفه ذراعًا تنفيذية لـ«فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري الإيراني»، وتلاحق في الوقت ذاته شبكات الوسطاء التي يستخدمها الحزب لتهريب الأموال وتمويل مشروعه.
وهذا المسار لم يبدأ اليوم. فمنذ تصنيف «حزب الله» تنظيمًا إرهابيًا أجنبيًا عام ١٩٩٧، ثم إدراجه عام ٢٠٠١ ضمن التنظيمات الإرهابية الخطرة بشكل خاص، وصولًا إلى توسّع دائرة العقوبات لتطال قياداته وشبكات تمويله، تراكمت الأدلة على أن الحزب فقد أي قدرة على الفصل بين انتمائه اللبناني وارتباطه العضوي، بل التبعي، بالمشروع الإيراني.
وفي لبنان، لم تكن المشكلة يومًا في غياب التحذيرات، بل في إصرار الحزب على تحويل البلاد إلى ساحة مستباحة لحسابات لا علاقة للبنانيين بها. فمن «حرب الإسناد» إلى غزة، وصولًا إلى جولات المواجهة المرتبطة بأجندات إقليمية بحتة، دفع اللبنانيون الثمن من أمنهم واقتصادهم وبيوتهم، بينما بقي القرار الاستراتيجي مصادَرًا خارج مؤسسات الدولة. وقد وفّرت ثنائية «حزب الله» وحركة أمل، بدور محوري لرئيس مجلس النواب «نبيه بري»، الغطاء السياسي الذي أبقى السلاح خارج القرار الوطني، وحوّل الدولة اللبنانية إلى الطرف الأضعف في معادلة يُفترض أنها صاحبة القرار الأول فيها.
أزمة داخلية أعمق من العقوبات
العقوبات ليست سوى الوجه الظاهر لأزمة أعمق. فالحزب يواجه، وفق معطيات متزايدة، اضطرابًا داخليًا في إدارة القرار السياسي والعسكري والمالي، بين قيادات تحاول إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وأخرى مرتبطة مباشرة بالقرار الأمني المتصلّب.
ومع تراجع الموارد وتضخم الحاجات، تشتد معركة المال قسوة. فالشبكات المالية التي اعتمد عليها الحزب لعقود باتت تحت مجهر دولي أكثر صرامة، في وقت تحتاج فيه بيئته إلى موارد هائلة لإعادة بناء ما دمرته الحرب وتعويض من خسروا منازلهم ومصادر رزقهم. وهنا تتكشف المفارقة الأكثر استفزازًا: كيف تُنفق منظومة سياسية وعسكرية الملايين على الرموز والمراسم ومشاريع تكريس قياداتها، بينما يرزح جزء من جمهورها تحت أنقاض حرب لم يختر توقيتها ولا أهدافها؟ لم تعد المشكلة في حجم الأموال أو مصادرها، بل في سؤال الأولويات الفاضح: هل تُصرف الموارد على الإنسان الذي خسر مستقبله، أم على صناعة الرمزية حول قيادات جرّت البلاد من حرب إلى حرب؟
طهران لم تعد كما كانت
الرهان على أن الوقت سيعيد إنتاج المعادلة القديمة، أو أن مفاوضات واشنطن وطهران ستفتح للحزب نافذة نجاة، أقرب إلى محاولة يائسة لشراء الوقت منه إلى استراتيجية قابلة للحياة. فالعالم الذي كان فيه الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥ عنوانًا مركزيًا للعلاقة بين إيران والغرب لم يعد قائمًا، وطبيعة الضغوط الأميركية على طهران وأذرعها باتت أكثر ارتباطًا بتجفيف مصادر التمويل وشبكات النفوذ منها بمفاوضة ملف نووي منعزل عن سلوك إيران الإقليمي.
والأكثر دلالة هو ما تكشفه التطورات الإقليمية من هشاشة العلاقة بين المركز الإيراني وأذرعه المنتشرة. فحين تبدأ القيادات بتبادل الاتهامات حول الاختراقات الأمنية والقرارات التي سبقت الاغتيالات، تتجاوز المسألة الخلاف التكتيكي لتلامس جوهر وهم «وحدة الساحات» الذي روّجت له طهران سنوات طويلة. لقد أثبتت الوقائع أن الأذرع لا تعرف غالبًا ما يُقرَّر في المركز، وأنها كثيرًا ما تكون أول من يدفع ثمن قرارات اتُّخذت بعيدًا عنها.
التناقض اللبناني الفاضح
في لبنان تبدو الصورة أكثر فجاجة. فمن جهة، يرفض الحزب العقوبات الأميركية ويقدّمها استهدافًا سياسيًا محضًا، ومن جهة أخرى تتناقض مواقف قياداته حول جدوى التواصل مع الأميركيين. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال بلا إجابة: إذا كان الحزب واثقًا من صلابة موقفه، فلماذا هذا الاضطراب في خطابه السياسي والإعلامي؟
والمفارقة الأكبر أن البيئة التي يزعم الحزب حمايتها هي ذاتها التي تدفع الكلفة الأعلى: قرى مدمرة، عائلات نازحة، اقتصاد منهك، ومناطق تحتاج مليارات الدولارات لإعادة إعمارها. وفي المقابل، تستمر لغة التصعيد تجاه دول الخليج، رغم أنها الأقدر على المساهمة في إنقاذ الاقتصاد اللبناني وإعادة بناء ما تهدّم. فهل من المنطقي أن تُخاصَم الجهة القادرة على المساعدة، ثم يُطلب منها تمويل إعادة بناء ما دمّرته سياسة لا يملك اللبنانيون وحدهم قرار وقفها؟
السلاح أم الدولة؟
الخلاف في لبنان لم يعد خلافًا على سلاح أو حزب أو تحالف سياسي، بل خلافًا على مفهوم الدولة ذاته. إما أن يكون القرار العسكري والأمني والسيادي بيد الدولة اللبنانية، وإما أن يبقى لبنان ساحة تتقاطع فيها أوامر طهران وحسابات واشنطن ومصالح القوى الإقليمية، بينما يدفع اللبنانيون وحدهم الفاتورة. وإذا استمر «حزب الله» في التعامل مع تسليم سلاحه للجيش اللبناني بوصفه هزيمة، بدلًا من عودة طبيعية للقرار إلى مؤسسات الدولة، فلن يخرج لبنان من هذه الحلقة المفرغة.
فالخطر الحقيقي على الحزب اليوم ليس العقوبات وحدها، ولا نقص الأموال، ولا تضييق شبكات التمويل، بل أن يبدأ جمهوره نفسه بطرح السؤال الذي طال تأخيره: من يحمي الدولة حين يصبح سلاحها خارج الدولة؟ ومن يدفع ثمن الحروب حين يقررها طرف واحد؟ وإلى متى يمكن إقناع اللبنانيين بأنهم يجب أن يدفعوا ثمن معارك لا يملكون قرار إعلانها ولا قرار إنهائها؟
زمن الشعارات الطويلة قد انتهى، وما بقي الآن هو الحساب. وحين يبدأ الحساب، لا تنفع المراوغة، ولا بيانات النفي، ولا انتظار صفقة إقليمية جديدة. فالدولة، في النهاية، لا يمكن أن تكون دولة بنصف سيادة، ولا يمكن لشعب أن يظل رهينة أبدية لسلاحٍ يُقال إنه لحمايته، بينما تكون أول نتائجه تدمير حياته.














