لم تقتصر زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيطاليا على بحث العلاقات اللبنانية–الإيطالية، بل شكل الوضع في جنوب لبنان أحد المحاور الأساسية في لقاءاته مع المسؤولين الإيطاليين، في ظل الاستحقاق المرتبط بمستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل» والمرحلة التي ستعقب انتهاء مهمتها.
وفي تارانتو، التقى عون رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، كما اجتمع بالرئيس سيرجيو ماتاريلا، حيث حضرت الملفات اللبنانية والإقليمية إلى جانب القضايا الثنائية. وكان التطور الأمني في الجنوب ومستقبل الترتيبات الدولية هناك من أبرز المواضيع التي حظيت باهتمام الجانبين.
وأكد عون خلال لقاءاته أهمية استمرار الدعم الإيطالي للبنان، ولا سيما للجيش اللبناني، مشددًا على ضرورة قيام المجتمع الدولي بدوره في تثبيت الاستقرار ومساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
كما برزت مسألة تطبيق اتفاق الإطار الذي أُنجز برعاية أميركية، في ظل استمرار الخروقات والتوترات على الحدود الجنوبية. ويعتبر لبنان أن الالتزام بمندرجات الاتفاق يشكل خطوة أساسية نحو تثبيت وقف الأعمال العدائية وتهيئة الظروف أمام معالجة الملفات العالقة.
ويكتسب البحث في مستقبل «اليونيفيل» أهمية خاصة، بعدما أقر مجلس الأمن أن يكون التمديد الحالي للمهمة هو الأخير، على أن تبدأ لاحقًا عملية انسحاب تدريجية للقوات الدولية. ومن شأن هذا التطور أن يفرض ترتيبات جديدة في الجنوب، خصوصًا لناحية تعزيز انتشار الجيش اللبناني ورفع قدراته على تولي المسؤوليات الأمنية.
وفي هذا الإطار، تبرز إيطاليا كطرف أساسي، نظرًا إلى مشاركتها الكبيرة في «اليونيفيل» ودورها في قيادة القطاع الغربي للقوة الدولية، إضافة إلى علاقاتها الوثيقة بالمؤسسة العسكرية اللبنانية.
وتشير المواقف الإيطالية السابقة إلى اهتمام روما بالحفاظ على مستوى من المساهمة في استقرار الجنوب حتى بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، عبر أشكال مختلفة من التعاون والدعم للجيش اللبناني. وهو ما يجعل الدور الإيطالي موضع اهتمام في النقاش الدائر حول الصيغة التي يمكن اعتمادها في المرحلة المقبلة.
وتتزامن هذه التطورات مع تحركات دولية وأوروبية للبحث عن آلية تضمن عدم حصول فراغ أمني في الجنوب بعد مغادرة القوات الدولية. وفي المقابل، يسعى لبنان إلى تأكيد أولوية الجيش اللبناني في أي ترتيبات مستقبلية، مع الحفاظ على الدعم الدولي الضروري لتعزيز قدراته وتمكينه من القيام بمهامه.
أما لقاء عون مع الرئيس ماتاريلا، فتناول بدوره العلاقات بين البلدين والملفات الإقليمية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه إيطاليا سياسيًا وأمنيًا في المرحلة المقبلة.
وتأتي زيارة عون إلى إيطاليا ضمن مسار دبلوماسي أوسع، شمل كذلك الفاتيكان، بهدف حشد الدعم للبنان والتأكيد على ضرورة حماية استقراره وسيادته. وفي صلب هذا المسار يبقى الجنوب الملف الأكثر إلحاحًا، مع اقتراب موعد إعادة رسم المشهد الأمني بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل».
وعليه، فإن المحادثات اللبنانية–الإيطالية لا تنفصل عن سؤال أساسي يواجه لبنان اليوم: كيف يمكن ضمان استقرار الجنوب بعد انتهاء المهمة الدولية، وما الدور الذي يمكن أن تلعبه إيطاليا في دعم الجيش اللبناني والمساهمة في منع أي فراغ أمني خلال المرحلة الانتقالية؟










