حين يصبح السلاح عبئًا لا مقاومة
ليست شرعية المقاومة مستمدةً من وجود عدوٍّ خارجي فحسب، بل من طبيعة المشروع الذي تحمله، والوسائل التي تعتمدها، والنتائج التي تفضي إليها على الإنسان والوطن والدولة. فالمقاومة ليست شعارًا يُرفع، ولا بندقيةً تُشهر، بل وظيفة أخلاقية ووطنية غايتها حماية المجتمع وصون كرامته وحفظ مقومات بقائه.
ولذلك، فليست كل حربٍ تحريرًا، ولا كل سلاحٍ مقاومة، ولا كل خطابٍ عن القدس أو الكرامة يمنح صاحبه حصانةً من النقد والمساءلة. فالمعيار الحقيقي لأي مقاومة يبدأ من سؤال بسيط وعميق في آنٍ واحد: هل تحمي الناس أم تجعلهم وقودًا دائمًا للصراعات؟ هل تعزز مناعة الوطن أم تضعفه؟ هل تقوّي الدولة أم تُبقيها رهينة الانقسام والعجز والانهيار؟
عندما يتحول السلاح من أداة دفاع إلى أداة هيمنة داخلية، وعندما يصبح غطاءً للفساد أو وسيلةً لتعطيل المؤسسات وإضعاف الدولة، فإنه يفقد تدريجيًا مبرراته الأخلاقية مهما ارتفعت الشعارات ومهما عظمت التضحيات التي تُستحضر لتبريره.
كما أن المقاومة التي تتجاهل موازين القوى وحسابات القدرة والاستطاعة، ولا تأخذ في الاعتبار كلفة الحروب على البشر والعمران والاقتصاد، قد تنتقل من موقع الحماية إلى موقع الاستنزاف، ومن مشروع الدفاع عن المجتمع إلى مشروع يثقل كاهله بالأعباء والخسائر.
إن الشرعية الحقيقية للمقاومة لا تُقاس بعدد الصواريخ ولا بحجم الخطابات، بل بمدى قدرتها على خدمة الإنسان وحماية الوطن وصيانة الكرامة الوطنية. فالمقاومة تكون مشروعة عندما تكون في خدمة المجتمع لا فوقه، وفي خدمة الدولة لا على حسابها، وفي خدمة الحياة لا في تكريس الخراب والمقابر واليأس.
أما حين يصبح المجتمع أفقر، والدولة أضعف، والناس أكثر خوفًا وتشردًا وانقسامًا، فإن السؤال عن جدوى المسار وشرعيته يصبح واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا لا يجوز إسكاتُه بالتخوين أو الهروب منه بالشعارات. فالأوطان تُبنى بالمراجعة والمحاسبة، لا بتقديس الأخطاء، والشعوب لا تنتصر حين تعجز عن مساءلة الخيارات التي تُتخذ باسمها.













