بين التسويات الإقليمية والوقائع الميدانية: هل يتجه لبنان نحو الاستقرار أم نحو صراع طويل الأمد؟
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار المنطقة إلى مسارات التفاوض المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، وإلى محاولات عدد من الدول العربية إعادة إنتاج قدر من الاستقرار الإقليمي، يبدو لبنان عالقاً في منطقة رمادية يصعب تصنيفها بين الحرب والسلام.
فعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي أوقف المواجهات الواسعة، إلا أن الوقائع الميدانية لا توحي بأن الصراع قد انتهى، بل تشير إلى انتقاله إلى مرحلة جديدة تختلف في أدواتها عن الحرب المفتوحة، من دون أن تختلف في أهدافها السياسية والاستراتيجية.
ومن هنا، تبدو القراءة التقليدية التي تتحدث عن “مرحلة ما بعد الحرب” بعيدة عن الواقع. فما يجري على الحدود الجنوبية لا يشير إلى تسوية مكتملة الأركان، بل إلى صراع مستمر تحت سقف ضبط التصعيد، في انتظار اتضاح صورة التوازنات الإقليمية الجديدة.
خلال السنوات الأخيرة شهد الشرق الأوسط تحولات مهمة في أولويات الدول الرئيسية. فالسعودية والإمارات وتركيا ومصر باتت تنظر إلى الاستقرار باعتباره حاجة استراتيجية ترتبط بمشاريع اقتصادية وتنموية ضخمة، وهو ما دفع هذه الدول إلى تفضيل سياسات الاحتواء والحوار على حساب المواجهات المباشرة.
في المقابل، تبدو إيران بدورها معنية بتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة عليها، وهو ما يفسر استمرار محاولات إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الولايات المتحدة رغم التعقيدات الكثيرة التي تحيط بهذا المسار.
إلا أن هذه التحولات لا تعني أن المنطقة تتجه بالضرورة نحو تسويات شاملة تنهي أسباب الصراعات القائمة، بل تعكس في جانب كبير منها سعياً إلى إدارة النزاعات ومنع تحولها إلى حروب واسعة تهدد المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول المعنية. فثمة فارق كبير بين احتواء الأزمات وبين معالجة جذورها، وهو فارق يبدو واضحاً في الحالة اللبنانية.
في المقابل، يبدو أن إسرائيل تنظر إلى التطورات الأخيرة من زاوية مختلفة.
فبعد حرب غزة وما رافقها من تداعيات إقليمية، برز داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية اتجاه يدعو إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل وعدم الاكتفاء بمعادلات الردع التقليدية التي حكمت السنوات السابقة.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم استمرار العمليات العسكرية والاستهدافات المتكررة في لبنان رغم وجود وقف لإطلاق النار. فإسرائيل لا تتعامل مع الهدنة باعتبارها نهاية للصراع، بل كمرحلة انتقالية تسعى خلالها إلى فرض وقائع ميدانية وأمنية جديدة تمنحها موقعاً أفضل في أي ترتيبات مستقبلية.
وقد عززت التصريحات الإسرائيلية الأخيرة هذا الانطباع، إذ أظهرت تمسكاً واضحاً باستمرار الضغوط العسكرية والأمنية تحت عنوان منع أي تهديد مستقبلي وضمان ترتيبات مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبل الحرب. غير أن الهدف الإسرائيلي لا يبدو محصوراً بتحقيق مكاسب تفاوضية ظرفية، بل يرتبط أيضاً بمحاولة إحداث تغيير طويل الأمد في البيئة الأمنية التي نشأت بعد عام 2006، بما يقلص مصادر التهديد المحتملة ويمنح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك مستقبلاً.
وهو ما يفسر أيضاً استمرار الجدل حول عدد من النقاط الحدودية والمناطق التي ما زالت تشهد توتراً أمنياً، في وقت تتحدث فيه تل أبيب عن ضرورات أمنية طويلة الأمد، بينما ينظر لبنان إلى هذه الوقائع باعتبارها استمراراً للضغط العسكري والسياسي ومحاولة لفرض أمر واقع جديد في الجنوب.
المشكلة الأساسية في لبنان أن الهدنة القائمة لم تتحول إلى مشروع استقرار حقيقي.
فالمواجهات الواسعة توقفت، لكن الخروقات والاستهدافات والتوترات الأمنية لم تتوقف بصورة كاملة. كما أن الملفات الأساسية المرتبطة بمستقبل الحدود الجنوبية والضمانات الأمنية وآليات تنفيذ التفاهمات القائمة ما زالت موضع خلاف.
وفي المقابل، ينظر حزب الله إلى الضغوط العسكرية والسياسية الحالية باعتبارها محاولة لإعادة صياغة موازين القوى التي حكمت الجبهة اللبنانية خلال السنوات الماضية. ومن هنا يمكن فهم تمسكه برفض أي ترتيبات يرى أنها قد تؤدي إلى تغيير جوهري في قواعد الاشتباك أو في موقعه ضمن المعادلة اللبنانية والإقليمية.
لذلك فإن الحديث عن نهاية الحرب يبدو سابقاً لأوانه. فالصراع ما زال قائماً، وإن كان ضمن مستويات مختلفة من التصعيد. وما يجري اليوم أقرب إلى إدارة للنزاع منه إلى حل للنزاع.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على الوضع الداخلي اللبناني. فصحيح أن الاستقرار الأمني يشكل شرطاً أساسياً لأي عملية إعادة إعمار أو نهوض اقتصادي، إلا أن الأزمة اللبنانية تتجاوز البعد الأمني وحده، إذ ترتبط أيضاً بملفات الإصلاح والحوكمة والقدرة على استعادة الثقة الداخلية والخارجية بالدولة ومؤسساتها. ولذلك فإن أي تهدئة أمنية، مهما بلغت أهميتها، لن تكون كافية وحدها لإخراج لبنان من أزمته المركبة.
السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما يجري على الأرض فحسب، بل بما يجري خلف الكواليس.
ففي الشرق الأوسط غالباً ما تترافق المفاوضات السياسية مع الضغوط العسكرية، إذ تسعى الأطراف المختلفة إلى تحسين شروطها عبر تعزيز مواقعها الميدانية قبل الوصول إلى تفاهمات نهائية.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جزء من التصعيد الحالي بوصفه محاولة لتثبيت أوراق القوة استعداداً للمرحلة المقبلة. فالولايات المتحدة تسعى إلى منع حرب إقليمية واسعة وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، وإيران إلى الحفاظ على نفوذها وأوراقها التفاوضية، فيما تحاول إسرائيل فرض ترتيبات أمنية جديدة تخدم رؤيتها الاستراتيجية، بينما تركز الدول العربية على تحقيق استقرار يدعم أولوياتها الاقتصادية والتنموية.
وفي قلب هذه المعادلة يقف لبنان متأثراً بهذه الحسابات من دون أن يكون صاحب القرار الأساسي فيها.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن التصعيد المحدود والضغوط المتبادلة لا يجريان خارج المسار التفاوضي، بل يشكلان جزءاً منه. فكل طرف يحاول تعزيز موقعه السياسي والأمني قبل الوصول إلى أي تفاهم نهائي، ما يجعل الساحة اللبنانية إحدى أدوات الضغط والتفاوض في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
حتى الآن لا توجد مؤشرات حاسمة على قرب تسوية إقليمية شاملة قادرة على إنهاء أسباب التوتر القائمة، كما لا توجد في المقابل معطيات جدية توحي بأن المنطقة تتجه نحو حرب واسعة في المدى المنظور.
فالوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن معظم الأطراف المعنية تدرك كلفة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. غير أن هذا الإدراك لا يعني اقتراب الاستقرار، بل يعكس وجود مصلحة مشتركة في منع الانفجار الكبير من دون التوصل إلى حلول نهائية للقضايا الخلافية.
ومن هنا، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس السلام المستدام ولا الحرب الشاملة، بل استمرار حالة إدارة الصراع. وهي حالة تقوم على مزيج من الضغوط العسكرية المحدودة، والتوترات الأمنية المتقطعة، والرسائل السياسية المتبادلة، بالتوازي مع مسارات تفاوضية إقليمية ودولية لم تنضج شروط نجاحها بعد.
وتكمن خطورة هذا الواقع في أنه يحول الجنوب اللبناني إلى ساحة دائمة للتجاذبات الإقليمية، ويبقي الاقتصاد اللبناني رهينة حالة عدم اليقين، ويؤخر أي فرصة جدية لإعادة الإعمار أو استعادة الثقة المحلية والخارجية بالدولة ومؤسساتها.
ولا يقف لبنان اليوم بين الحرب والسلام بقدر ما يقف بين مشروعين متنافسين: مشروع يسعى إلى ضبط الصراع وإدارته ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة، ومشروع آخر يعمل على إعادة رسم الوقائع الأمنية والسياسية على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية.
وفي ضوء المعطيات الحالية، تبرز ثلاثة سيناريوهات واضحة: الأول، نجاح المفاوضات الإقليمية بما يفتح الباب أمام استقرار تدريجي في لبنان. الثاني، وهو الأرجح، استمرار الوضع الراهن بما يحمله من توترات مضبوطة واستنزاف مستمر. أما الثالث، فهو انزلاق غير محسوب نحو تصعيد واسع نتيجة خطأ ميداني أو تحول إقليمي مفاجئ.
لكن الرسالة الأساسية تبقى أن لبنان لا يقف اليوم على أعتاب سلام شامل، ولا يبدو متجهاً إلى حرب كبرى في المدى القريب، بل يعيش مرحلة طويلة من إدارة الصراع وانتظار مآلات التوازنات الإقليمية. وفي ظل هذا الواقع، يبقى العامل الحاسم بيد اللبنانيين أنفسهم: تعزيز مؤسسات الدولة واستعادة قدرتها على القرار والمبادرة، لأن قوة الداخل هي خط الدفاع الأول في مواجهة تقلبات الخارج وتأثراً بأي تبدل في موازين القوى













