بدأ المرشد الإيراني مجتبى خامنئي رسم ملامح فريقه الأمني والعسكري للمرحلة المقبلة، في ظل وضع إقليمي شديد التعقيد ومواجهة لم تعد طهران تتعامل معها باعتبارها جولة عابرة مع الولايات المتحدة.
فبعد الخسائر التي لحقت بالقيادات العسكرية والأمنية الإيرانية خلال الحرب، اتجه خامنئي إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، مستعيناً بشخصيات من الصفوف القديمة التي تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والصراعات.
واللافت في التشكيلة الجديدة أن عدداً من الأسماء التي عادت إلى مواقع متقدمة ينتمي إلى الجيل التقليدي للحرس الثوري والأجهزة الأمنية، ما يعكس رغبة في الاعتماد على شخصيات مجرّبة بدلاً من المغامرة بوجوه جديدة في مرحلة حساسة.
ومن أبرز التغييرات عودة محسن رضائي إلى قلب منظومة القرار، من خلال توليه أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي. ورضائي، الذي سبق أن قاد الحرس الثوري لسنوات، يُعد من أبرز الشخصيات التي تجمع بين الخبرة العسكرية والحضور السياسي، ما يجعل موقعه الجديد مهماً في إدارة الملفات المرتبطة بالأمن القومي والعلاقة مع واشنطن.
وفي موازاة ذلك، برز اسم حسين طائب مجدداً بعد إسناد قيادة قوات الباسيج إليه. وطائب، المعروف بخبرته الطويلة في المجال الاستخباراتي والأمني، يعود إلى مؤسسة تلعب دوراً أساسياً في ضبط الوضع الداخلي، ما يضيف بعداً آخر إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني الإيراني.
أما الحرس الثوري، فبقي في صدارة عملية إعادة البناء، مع تثبيت أحمد وحيدي على رأس المؤسسة. وحيدي، الذي شغل سابقاً مناصب وزارية وعسكرية بارزة، يمتلك مسيرة طويلة داخل أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، ويأتي اختياره في وقت يواجه فيه الحرس تحديات كبيرة بعد الخسائر التي تعرضت لها قيادته.
وفي المؤسسة العسكرية الأوسع، تولى علي عبد اللهي رئاسة هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، في موقع يمنحه دوراً محورياً في تنسيق عمل الجيش والحرس وبقية التشكيلات العسكرية.
ولا تبدو هذه التغييرات منفصلة عن بعضها البعض. فالصورة التي تتشكل تدريجياً تشير إلى محاولة إعادة الإمساك بمفاصل القرار الأمني عبر مجموعة من الشخصيات التي تعرف بنفوذها وخبرتها داخل مؤسسات القوة في إيران.
استعداد لمرحلة أطول
اختيار هذه الأسماء في هذا التوقيت يحمل رسالتين متوازيتين.
الأولى موجهة إلى الداخل، ومفادها أن القيادة الجديدة تريد منع أي فراغ أو اضطراب داخل المؤسسات التي تشكل العمود الفقري للنظام، خصوصاً بعد الحرب والضغوط التي خلفتها.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بالولايات المتحدة. فإعادة شخصيات ذات خلفية عسكرية وأمنية قوية إلى مواقع القرار توحي بأن طهران تضع احتمال استمرار المواجهة في حساباتها، ولا تبني استراتيجيتها على افتراض التوصل السريع إلى تسوية.
ومن هنا، تبدو عملية إعادة ترتيب القيادة جزءاً من استعداد أوسع لمرحلة قد تجمع بين التفاوض والتصعيد، بحيث تبقى المؤسسات العسكرية والأمنية في حالة جهوزية كاملة لأي تطور مقبل.
وبينما لا تزال ملامح عهد مجتبى خامنئي تتشكل، فإن اختياراته الأولى تكشف اتجاهاً واضحاً: ترميم منظومة القوة من داخلها، والاستناد إلى رجال المؤسسة القديمة لإدارة مرحلة يُرجّح أن تكون أكثر صعوبة، سواء على مستوى المواجهة مع واشنطن أو على مستوى الوضع الداخلي الإيراني












