في مدينة الحميدية بمحافظة خوزستان، جنوب غربي إيران، اعتقلت قوات تابعة لوزارة الاستخبارات سبعة مواطنين عرب من أهل السنة أثناء اجتماعهم لأداء صلاة العشاء، بحسب تقارير متداولة. وقد تأكدت هوية اثنين منهم، هما عامر بن بدر الكعبي ورياض الزهيري، من سكان منطقة الملاشية في الأهواز، فيما لا تزال عائلات المعتقلين تجهل أماكن احتجازهم ومصيرهم، رغم مرور أيام على الاعتقال، ومن دون إعلان رسمي واضح عن أسباب التوقيف أو أماكن وجودهم.
لا تبدو القضية، في سياقها الأوسع، حادثة أمنية معزولة؛ إذ تتصل بظاهرة آخذة في الاتساع داخل المجتمع الإيراني، ولا سيما في خوزستان، تتمثل في انتقال بعض الشيعة إلى المذهب السني. ويُطلق على هؤلاء في الأدبيات المحلية تعبير «المتسننين» أو «المهتدين»، أي الذين انتقلوا من التشيع إلى اعتناق عقيدة أهل السنة والجماعة.
وقد شهدت خوزستان، خلال العقدين الأخيرين، انتشارًا لهذه الظاهرة، خصوصًا بين العرب الذين يعانون أصلًا من مشكلات التهميش والحرمان. وتعددت دوافع الذين اختاروا الانتقال إلى المذهب السني، بين التأثر بالدعاة والقنوات الدينية السنية، والبحث الديني والفكري الشخصي، والاعتراض على ممارسات المؤسسة الدينية والسياسية التي تحكم إيران باسم التشيع.
وهنا تكمن حساسية المسألة بالنسبة إلى النظام الإيراني: فالمشكلة ليست في اختلاف ديني فحسب، بل في حق الفرد في أن يختار عقيدته بعيدًا عن سلطة الدولة.
فإذا كان المواطن الإيراني يولد شيعيًا ثم يختار أن يصبح سنيًا، فما الذي يجعل هذا الاختيار تهديدًا أمنيًا يستوجب الاعتقال والتحقيق والإخفاء؟ وإذا كانت الدولة واثقة من قوة عقيدتها، فلماذا تحتاج إلى أجهزة الاستخبارات لمواجهة شخص يغيّر مذهبه أو يجتمع مع آخرين لأداء الصلاة؟
وتشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن السلطات الإيرانية تنظر إلى بعض المتسننين بوصفهم «وهابيين» أو «متطرفين»، وتفرض قيودًا على ممارسة الشعائر السنية في مناطق مختلفة، فيما يواجه أهل السنة، بحسب تقارير متعددة، صعوبات في بناء المساجد والمصليات وإقامة شعائرهم بصورة مستقلة.
وتزداد خطورة الأمر حين تتحول ممارسة الاعتقاد إلى ملف أمني، وحين يصبح الانتقال من مذهب إلى آخر سببًا كافيًا للمراقبة والاعتقال. فحرية الاعتقاد لا تعني فقط أن يسمح للإنسان بأن يبقى على الدين أو المذهب الذي وُلد عليه، بل أن يكون حرًا أيضًا في مراجعته وتغييره ورفضه.
وخوزستان ليست مجرد منطقة جغرافية في هذه القضية. إنها إقليم غني بالنفط والغاز والمياه، ذو غالبية عربية في أجزاء واسعة منه، ويعيش فيه عرب ولور وفرس وترك وغيرهم. ومن ثم فإن التوتر المذهبي يتقاطع فيها مع أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والحقوق والمساواة وعلاقة المركز بالأطراف.
أما اعتقال سبعة أشخاص أثناء صلاة العشاء، إن صحت هذه التقارير، فيطرح سؤالًا أبسط وأشد إلحاحًا: ما الخطر الذي يمثله سبعة مواطنين يصلّون؟
لا ينبغي أن تكون الإجابة أمنية في دولة تدّعي أنها تحمي الدين. فحين يصبح تغيير المذهب جريمة، وحين تصبح الصلاة خارج المذهب الرسمي فعلًا يستدعي أجهزة الاستخبارات، فإن القضية تتجاوز حدود الخلاف بين السنة والشيعة؛ إنها تصبح قضية حرية الضمير وحق الإنسان في أن يختار معتقده دون خوف من الدولة.
إن إطلاق سراح المعتقلين، والكشف عن أماكن احتجازهم، وتمكينهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، ليس فضلًا من السلطة، بل حدٌّ أدنى من حقوق الإنسان. أما مواجهة التحولات الدينية بالقمع الأمني، فلن تمنع الأفكار؛ بل قد تجعل السؤال الديني أكثر إلحاحًا، وتحول الاختلاف المذهبي من خيار شخصي إلى قضية حرية وكرامة.














