في لحظة لبنانية تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التحولات الإقليمية، تبدو العلاقة بين بيروت وأنقرة أمام مرحلة مختلفة، خصوصا مع دخول الجنوب في استحقاق حساس يرتبط بمستقبل الترتيبات الأمنية، ومصير اليونيفيل وآلية تنفيذ التفاهمات بين لبنان وإسرائيل، وهو سياق يجعل الدور التركي موضع اهتمام متزايد.
وتقول أوساط دبلوماسية تحدثت إلى"الحقيقة.نت" إن زيارة الرئيس جوزاف عون إلى أنقرة لم تكن منفصلة عن هذا المشهد، إذ ناقشت القيادة اللبنانية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعم الجيش اللبناني، وإعادة إعمار الجنوب، وإمكان مساهمة تركيا في ترتيبات أمنية مستقبلية، خصوصا أن أنقرة أعلنت استعدادها للمشاركة في المبادرات الهادفة إلى دعم استقرار لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، كما أكدت استمرار مساندتها للمؤسسة العسكرية.
وترى الأوساط أن أهمية تركيا تكمن في موقعها الإقليمي، فهي تحتفظ بعلاقات مع طهران وواشنطن في آن، وتملك حضورا مباشرا في الملف السوري، الأمر الذي يمنحها قدرة على التواصل مع أكثر من جهة في مرحلة تحتاج فيها بيروت إلى قنوات سياسية تساعد على تخفيف التوتر.. من دون تحويل لبنان إلى ساحة جديدة للتجاذب الإقليمي.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار البحث في آلية تنفيذ الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، حيث تتركز النقاشات على الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وآلية التحقق من نزع سلاح الحزب، فيما تشير المعطيات الأخيرة إلى طرح أسماء دول للمساهمة في آلية التحقق، بينها بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا.
وتلفت الأوساط عينها إلى أن انتهاء مهمة اليونيفيل في نهاية عام 2026 يضيف عنصرا جديدا إلى الحسابات، إذ سيكون على المجتمع الدولي ولبنان تحديد طبيعة الترتيبات التي ستتولى مهمة دعم الاستقرار جنوبا وهنا تأتي الإشارة التركية إلى استعدادها للمشاركة كجزء من النقاش الجاري، وليس كصيغة محسومة أو بديلة جاهزة عن القوة الدولية.
كما تعتبر أن بيروت تحاول من خلال الانفتاح على أنقرة توسيع هامش الحركة الدبلوماسية، والاستفادة من دولة تستطيع التواصل مع أطراف متعددة، فيما يبقى القرار اللبناني مرتبطا بالدولة ومؤسساتها وبالمفاوضات الجارية برعاية أميركية، وبهذا المعنى يمكن أن يكون الدور التركي عنصر مساعدة في مرحلة دقيقة، شرط أن يبقى ضمن إطار دعم السيادة اللبنانية والاستقرار، بعيدا عن أي اصطفاف جديد.
وتخلص الأوساط إلى أن الأشهر المقبلة ستحدد طبيعة الدور التركي في لبنان، خصوصا في الجنوب، حيث تتقاطع ترتيبات الأمن مع مستقبل اليونيفيل والجيش اللبناني والعلاقة مع إسرائيل، ومع كل تطور في هذا المسار ستتضح أكثر حدود الدور الذي تستطيع أنقرة أن تؤديه، وحجم المساحة التي يمكن لبيروت أن تمنحها لهذا الدور.














