في 12 آب من العام 2026، أشار الرئيس فلاديمير بوتين إلى أن اليابان أدرجت روسيا، لأول مرة، ضمن قائمة التهديدات الرئيسية لها، على الرغم من أن موسكو لا تُهدد طوكيو ولا تُطالب بأي أراضٍ ضدها.
وأشار الرئيس بوتين، بينما كان يتابع المرحلة الأخيرة من مناورات أسطول المحيط الهادئ من على متن الطراد الصاروخي «فارياغ غاردز»، إلى صعوبة الوضع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في إشارة إلى احتمالية فتح جبهة من قبل حلف الأطلسي ضد روسيا في هذا المحور، الذي يشمل أيضًا الصين وكوريا الشمالية.
وبينما أكد بوتين أن «روسيا لا تُهدد اليابان، وأن موسكو لا تُطالب بأي أراضٍ ضد طوكيو»، فإن اليابان تُصرّ على مطالباتها الإقليمية بجزر الكوريل.
وعن هذا الموضوع، أوضح بوتين أن وقائع ما بعد الحرب العالمية الثانية مُكرّسة في الوثائق الدولية، على الرغم من أن موسكو كانت سابقًا على استعداد للبحث عن حل لهذه المسألة.
وأشار خلال خطابه من على متن الطراد إلى أنه في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وقّع الاتحاد السوفيتي إعلانًا مع اليابان مهّد الطريق لمعاهدة سلام، إلا أن طوكيو رفضته. وبعد ذلك، قبلت روسيا طلب طوكيو واستأنفت الحوار لإيجاد سبل للتوصل إلى معاهدة سلام.
وأكد بوتين أن روسيا واليابان طورتا علاقات بنّاءة في عهد رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، لكن موقف طوكيو قد تغيّر الآن.
وعن هذا الموضوع، يقول رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية (MGIMO)، ديمتري ستريلتسوف، لوكالة أنباء NI: «ينبغي النظر إلى موقف طوكيو الحالي تجاه موسكو في المقام الأول في سياق أوسع يتمثل في المواجهة بين روسيا والغرب».
وأوضح المستشرق ستريلتسوف قائلًا: «تُطوّر اليابان حاليًا علاقات تحالف مع الغرب ككل، مع أوروبا والولايات المتحدة. ويتعزز التضامن، استنادًا، بشكل عام، إلى القيم الليبرالية. هذه حرب باردة جديدة، ونظام ثنائي القطبية جديد، وضع تجد فيه اليابان نفسها على الجانب الآخر من المتاريس. لذلك، من المنطقي إلى حد ما أن تعتبر اليابان روسيا، تمامًا مثل الصين وكوريا الشمالية، تهديدًا لأمنها القومي».
وأوضح المستشرق ستريلتسوف قائلًا: «تخشى اليابان من أن تستحوذ الصين على مشاريع سخالين إذا انسحبت منها. ومثل هذا السيناريو لن يصب بالتأكيد في مصلحة طوكيو». ويتعلق هذا الأمر بشكل أساسي بمشروعي سخالين-1 وسخالين-2 للنفط والغاز في الجرف القاري لسخالين، واللذين استثمرت فيهما الشركات اليابانية بكثافة في السابق. وتُعد هذه المشاريع مهمة لطوكيو من حيث الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة، لذا فإن الرفض التام للتعاون مع روسيا قد يضر باليابان نفسها. علاوة على ذلك، لا ترغب طوكيو في التنازل عن مواقع قد تحتلها دول أخرى.
ولهذا السبب تحديدًا، أعتقد أن الوضع الاقتصادي لليابان يختلف عن وضع معظم الدول الأوروبية.
فعندما تكون مصالح طوكيو الاقتصادية الأساسية على المحك، ستسعى بالتأكيد للحفاظ على فرص التعاون مع موسكو.
ولكننا نرى سلوكًا مغايرًا لليابان في مجالات أخرى، تُظهر فيه تضامنها مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتشارك في سياسة العقوبات العامة المفروضة على موسكو.
وبالتالي، نرى هنا كيف يجمع مسار طوكيو الحالي بين المواجهة السياسية ومحاولة الحفاظ على تلك الأصول والروابط الروسية التي لا تزال مهمة للاقتصاد الياباني.
وفي هذا السياق، تُطرح مسألة جزر الكوريل، وهي القضية الرئيسية العالقة بين روسيا واليابان في النزاع الحدودي بينهما، حيث تطالب طوكيو بجزر إيتوروب، وكوناشير، وشيكوتان، وهابوماي، الواقعة في الجزء الجنوبي من جزر الكوريل، الأقرب إلى جزيرة هوكايدو اليابانية.
وعن هذا الموضوع، يوضح المستشرق ستريلتسوف: «يستند الجانب الياباني إلى أول معاهدة حدودية روسية-يابانية لعام 1855، والتي بموجبها أصبحت هذه الأراضي تابعة لليابان». ويستند الموقف الروسي إلى نتائج الحرب العالمية الثانية، التي تفترض موسكو أن اليابان تنازلت بموجبها عن جزر الكوريل، وبالتالي لا تملك أي أساس قانوني للمطالبة بأراضٍ.
بينما تُفسّر طوكيو اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الثانية تفسيرًا مختلفًا. فكما أوضح ستريلتسوف، تنازلت اليابان عن جزر الكوريل، لكن الأراضي المتنازع عليها لم تُذكر تحديدًا في الوثائق. ولذلك، تعتقد طوكيو أن التنازل لم يشمل جزر إيتوروب، وكوناشير، وشيكوتان، وهابوماي، بينما تُصرّ موسكو على أن جزر الكوريل ككل كانت محل نزاع.
وفي عام 1956، اتُهم الاتحاد السوفيتي من قبل اليابان باحتلال جزر الكوريل، ثم ما لبثت أن طُويت هذه الصفحة، وفقًا لستريلتسوف. وهكذا، فعلى الرغم من أن قضية الكوريل لا تزال عالقة، فإن عودة روسيا إلى صدارة قائمة التهديدات الرئيسية للأمن الياباني تُعزى في المقام الأول إلى الانقسام الجديد للعالم إلى كتل سياسية متنافسة: روسيا، والصين، وكوريا الشمالية وامتداداتها في البريكس من جهة، والغرب الجماعي وعلى رأسه الولايات المتحدة من جهة أخرى.
فهل تشعل قضية جزر الكوريل جبهة المحيط الهادئ، إلى جانب الجبهات الأخرى في الشرق الأوسط وفي أوكرانيا، لشل القدرات الروسية واستنزافها من جهة، وإطباق الحصار الاقتصادي الغربي على الصين من جهة أخرى؟ وأي مصير ينتظر العالم والنظام العالمي برمته بنتيجة هذه الحرب الباردة المتجددة؟
يوسف مرتضى - كاتب سياسي














