لبنان: مَن يحمي الدولة حين تعجز عن حماية نفسها؟
ليست أزمة لبنان مجرد أزمة سياسية عابرة، ولا هي نتيجة خلاف بين أحزاب أو تنافس بين زعامات. ما يعيشه البلد أعمق من ذلك بكثير؛ إنه أزمة في وظائف الدولة وفي شروط وجود المجتمع نفسه.
فالدولة لا تكون دولة بمجرد وجود مؤسسات تحمل أسماءها، أو وزارات تعمل بحدها الأدنى، أو انتخابات تجدد الطبقة السياسية. الدولة الحقيقية هي التي تستطيع أن ترعى مواطنيها، وتحميهم، وتؤمّن لهم شروط الحياة، وتصون سيادتها، وتنتج سياسات تستند إلى المعرفة والمصلحة العامة.
وهذه الوظائف هي التي تعرضت للاهتزاز العميق في لبنان.
من أزمة الدولة إلى أزمة المجتمع
حين يفقد الإنسان الماء والغذاء والدواء والعمل والأمن، فإنه لا يفقد فقط مستوى معيشته، بل يبدأ بفقدان الشروط التي تجعله قادرًا على العيش بصورة طبيعية ومستقرة.
ومع استمرار الحرمان، تتآكل أيضًا شروط الحياة الاجتماعية السوية: الثقة، والبصيرة، والقدرة على التفكير الهادئ، والإحساس بالمستقبل، والاستعداد للتعاون.
وهنا يتحول الفقر والبطالة وانهيار الخدمات والغلاء من مشكلات اقتصادية إلى مشكلات سياسية واجتماعية وأمنية.
فالإنسان الذي يشعر أن الدولة عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من مقومات حياته يصبح أكثر استعدادًا للانكفاء إلى جماعته الأولية، أو البحث عن حماية بديلة، أو الانخراط في أشكال من الاحتجاج والعنف، أو الهجرة بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا.
وهذا هو أحد أخطر مسارات الأزمة اللبنانية: أن يتحول فشل الدولة في الرعاية إلى فقدان ثقة المجتمع بها.
الدولة التي لا ترعى لا تستطيع أن تحمي
الرعاية والحماية وظيفتان متلازمتان.
فلا يمكن لدولة أن تحمي مجتمعًا لا تستطيع رعايته، ولا أن تطلب من المواطن احترام مؤسساتها بينما تعجز هذه المؤسسات عن تأمين حقوقه الأساسية.
والرعاية تبدأ من التربية والتعليم والصحة والعمل والاقتصاد والثقافة، بينما تمتد الحماية إلى القضاء والأمن والدفاع والدبلوماسية والمعلومات والإعلام.
وحين تتعطل هذه الوظائف واحدة بعد أخرى، لا يبقى أمام الدولة سوى إدارة الأزمات بدل حلها.
وهذا ما نراه في لبنان: مؤسسات تعمل، ولكنها كثيرًا ما تعمل في ظروف تجعلها عاجزة عن أداء وظائفها كاملة؛ اقتصاد يعاني من اختلالات عميقة؛ قطاع مصرفي فقد جزءًا كبيرًا من الثقة؛ خدمات عامة متراجعة؛ وقضاء يعاني من التدخلات والعجز؛ وطبقة سياسية فقدت قدرًا كبيرًا من ثقة الناس.
ولا تكمن المشكلة فقط في الفساد، بل في بنية سياسية واقتصادية تسمح بإعادة إنتاج الفساد والعجز.
الاقتصاد ليس منفصلًا عن السياسة
لا يمكن فصل الانهيار الاقتصادي عن النظام السياسي.
فالاقتصاد الذي لا ينتج بما يكفي، ولا يستثمر في الإنسان، ولا يقوم على المعرفة والإنتاج، يصبح اقتصادًا هشًا يعتمد على التحويلات والمساعدات والخدمات والاستهلاك والاستدانة.
ومع الوقت، تتحول الدولة من مؤسسة تنتج الموارد إلى مؤسسة تستهلكها.
ويصبح المواطن هو من يدفع ثمن هذا العجز من مدخراته، ومن قدرته الشرائية، ومن فرص عمله، ومن مستقبل أبنائه.
والأخطر أن الانهيار الاقتصادي يدفع بالكفاءات إلى الهجرة، فتفقد البلاد جزءًا من رأسمالها البشري، أي من أهم مصادر قوتها المستقبلية.
وهكذا تدخل البلاد في حلقة مفرغة:
انهيار اقتصادي → هجرة الكفاءات → ضعف الإنتاج → مزيد من العجز → مزيد من الهجرة.
التعليم والعلم شرط للقوة
لا تستطيع دولة أن تبني مستقبلها إذا لم تستثمر في الإنسان.
التعليم ليس خدمة اجتماعية فقط، بل هو جزء من الأمن الوطني والاقتصادي.
والبحث العلمي ليس ترفًا أكاديميًا، بل شرط للقدرة على الإنتاج والمنافسة والاستقلال.
فالدولة التي لا تنتج المعرفة، ولا تطور اقتصادها، ولا تبني مؤسساتها على الكفاءة، تصبح معتمدة على الخارج في التكنولوجيا والاقتصاد والتمويل وحتى في بعض عناصر قرارها السياسي.
ولهذا فإن إصلاح لبنان لا يمكن أن يقتصر على تغيير الحكومة أو تعديل قانون انتخابي.
المطلوب إعادة بناء العلاقة بين التعليم والاقتصاد والعلم والإدارة، بحيث يصبح الإنسان اللبناني منتجًا للمعرفة والقيمة، لا مجرد مستهلك أو مهاجر.
أزمة السيادة
لكن الأزمة اللبنانية لا تتوقف عند الاقتصاد.
هناك سؤال أكثر عمقًا يتعلق بالسيادة واحتكار الدولة للقوة والقرار.
فلا يمكن أن تكون هناك دولة مكتملة السيادة إذا كانت القوة المسلحة موزعة بين مؤسسات الدولة وقوى سياسية أو تنظيمية تمتلك قدرات مستقلة عنها.
وفي المقابل، لا يمكن معالجة هذه المسألة بطريقة تتجاهل المخاوف الأمنية الحقيقية التي يعيشها اللبنانيون، ولا بالاستناد إلى منطق الإلغاء أو الإقصاء.
المطلوب هو بناء دولة قادرة على توفير الحماية لجميع مواطنيها، بحيث يصبح الانتماء إلى الدولة أقوى من الحاجة إلى الاحتماء بأي جماعة سياسية أو طائفية أو مسلحة.
وهذا يحتاج إلى بناء الثقة بالدولة، لا إلى مطالبة الناس بالثقة بها في ظل عجزها.
الطائفية ليست المشكلة الوحيدة
من السهل تحميل الطائفية وحدها مسؤولية الأزمة اللبنانية.
لكن الطائفية في لبنان ليست مجرد انتماء ديني أو ثقافي؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة إلى نظام سياسي مغلق، وإلى وسيلة للوصول إلى الدولة وتقاسم مواردها وحماية النفوذ.
عندها يصبح المواطن تابعًا لزعيم طائفته بدل أن يكون مواطنًا متساويًا أمام القانون.
ويصبح الولاء السياسي قائمًا على الحماية والمصلحة والزبائنية، بدل البرنامج والكفاءة والمحاسبة.
وهكذا تتحول الدولة إلى ساحة لتوزيع الحصص، بدل أن تكون مؤسسة لإدارة المصلحة العامة.
المشكلة في غياب الجسور
لبنان ليس فقيرًا بالكفاءات أو بالأفكار أو بالطاقات.
مشكلته الأساسية أنه يعاني من انقطاع الجسور بين هذه الطاقات.
هناك فجوة بين الدولة والمجتمع، وبين الشباب والسياسة، وبين الاقتصاد والتعليم، وبين الداخل والاغتراب، وبين الطوائف، وبين الأجيال، وبين النخب والمواطنين.
كل مجموعة تعمل داخل مساحتها الخاصة، فيما تغيب المساحة الوطنية المشتركة.
ولذلك فإن إعادة بناء لبنان تبدأ بإعادة بناء هذه الجسور.
الجسر بين المواطن والدولة.
الجسر بين الاقتصاد والتعليم.
الجسر بين العلم وصناعة القرار.
الجسر بين الداخل والاغتراب.
والأهم: الجسر بين اللبنانيين أنفسهم.
ماذا نحتاج؟
لبنان لا يحتاج إلى تسوية مؤقتة جديدة تتيح للطبقة السياسية أن تعيد إنتاج نفسها.
ولا يحتاج إلى إدارة الانهيار بدل الخروج منه.
إنه يحتاج إلى إعادة تأسيس وظائف الدولة.
دولة ترعى مواطنيها بدل أن تتركهم لمصائرهم.
دولة تحميهم بدل أن تجعلهم يبحثون عن الحماية خارج مؤسساتها.
دولة تطبق القانون على الجميع.
دولة تملك قرارها الوطني.
دولة تستثمر في التعليم والصحة والإنتاج والبحث العلمي.
دولة تحاسب الفاسد بدل أن تحميه.
ودولة تجعل المواطن مواطنًا كامل الحقوق، لا تابعًا لطائفة أو زعيم أو حزب.
إن الأزمة اللبنانية، في جوهرها، ليست أزمة حكومة واحدة ولا رئيس واحد ولا حزب واحد.
إنها أزمة نموذج كامل في إدارة الدولة والمجتمع.
ولذلك فإن الخروج منها يحتاج إلى أكثر من تغيير الأشخاص: يحتاج إلى تغيير القواعد التي تسمح بإعادة إنتاج المشكلة نفسها.
فالبلد لا يُنقذ بإدارة الانهيار، وإنما بإعادة بناء القدرة على الرعاية والحماية والإنتاج.
وحين تستعيد الدولة هذه الوظائف، يستعيد المواطن ثقته بها.
وحين يستعيد المواطن ثقته بالدولة، تتراجع حاجته إلى الاحتماء بالجماعات.
وحين يصبح القانون هو الحامي الأول، تتراجع الحاجة إلى الزعيم.
وحين يصبح الوطن هو الإطار السياسي الأعلى، يصبح اللبناني قادرًا على أن يكون مختلفًا في الطائفة والسياسة والثقافة، من دون أن يكون مختلفًا في المواطنة.
هذه هي المعركة الحقيقية في لبنان: الانتقال من دولة تُدار بالأزمات إلى دولة قادرة على إدارة مستقبلها.














