اليونيفيل بين التجديد الآلي وإعادة التأسيس: أي قوة دولية يريدها لبنان؟
لا خلاف في لبنان على أهمية الاستقرار في الجنوب، ولا على ضرورة وجود دعم دولي يعين الجيش اللبناني على بسط سلطة الدولة، ويحمي الأهالي من تكرار الحروب التي أنهكت هذه الأرض عقودًا طويلة. هذا ما أكد عليه الرئيس «جوزاف عون» حين شدد على أهمية استمرار «اليونيفيل» ودورها في تثبيت الاستقرار، ومساعدة أبناء الجنوب على البقاء في قراهم وبلداتهم بدل أن يكونوا وقودًا لحروب لا قرار لهم فيها.
غير أن التمسك بوجود القوة الدولية لا ينبغي أن يتحول إلى تمسك بصيغتها الحالية، كما لو كانت نصًا مقدسًا لا يقبل المراجعة. فإذا كانت الغاية فعلًا تعزيز سيادة الدولة اللبنانية، فالسؤال المشروع لم يعد: «هل نريد اليونيفيل أم لا؟»، بل: أي يونيفيل يريدها لبنان؟
فوجود قوة دولية لا يكفي وحده ما دام السلاح خارج سلطة الدولة، وما دام حزب الله قادرًا على الاحتفاظ بترسانته العسكرية، وعلى فرض قرارات الحرب والسلم على لبنان كله، فيما يدفع اللبنانيون جميعًا، من الجنوب إلى الشمال، ثمن قرارات لم يشاركوا في صنعها. من هنا، فإن أي تجديد لولاية «اليونيفيل» ينبغي أن يكون محطة لإعادة النظر في تركيبتها وفلسفة عملها، لا مجرد تمديد آلي لواقع أثبت محدوديته.
وعليه، فمن واجب رئاسة الجمهورية اللبنانية أن ترفض استمرار المشاركة الفرنسية بصيغتها الراهنة، وأن تدفع نحو تعزيز مشاركة دول أكثر وضوحًا وحزمًا في التعامل مع التنظيمات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة. وفي مقدمة هذه الدول تأتي ألمانيا، التي تحظر نشاط حزب الله وتتعامل معه بوصفه تنظيمًا إرهابيًا بالكامل، وهولندا التي تتبنى الموقف نفسه، والمملكة المتحدة التي تصنف حزب الله منظمة إرهابية من دون تمييز بين ما يسمى جناحًا عسكريًا وآخر سياسيًا. وهذه الدول الثلاث موجودة أصلًا ضمن منظومة «اليونيفيل»، وإن كانت مساهماتها الحالية متواضعة قياسًا بدول أخرى أقل حزمًا في موقفها.
والمطلوب هنا ليس إخراج «اليونيفيل» من الجنوب، بل إعادة صياغتها لتكون أكثر فاعلية وانسجامًا مع هدفها الأساسي: مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها الكاملة على كامل أراضيها. فلماذا لا تكون ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة في صدارة أي إعادة تشكيل مستقبلية للقوة الدولية؟ ولماذا لا يُبحث جديًا في زيادة مساهماتها العسكرية، إلى جانب دول أخرى مستعدة لالتزام أكثر صرامة بتطبيق القرار ١٧٠١، ومنع أي وجود للسلاح غير الشرعي في منطقة عمليات «اليونيفيل»؟
فوجود قوات من دول تصنف حزب الله بالكامل منظمة إرهابية يرسل رسالة سياسية وأمنية واضحة لا تحتمل التأويل: الجنوب ليس ساحة مفتوحة لأي تنظيم مسلح، والشرعية الوحيدة التي يجب أن تُحمى هي شرعية الدولة اللبنانية وحدها.
لبنان لا يحتاج إلى قوات دولية تكتفي بدور المراقب الصامت. لبنان يحتاج إلى قوات دولية تساعد الجيش اللبناني فعليًا على تثبيت الأمن، وتمنع تحويل القرى والبلدات إلى منصات عسكرية وأهداف محتملة، وتحمي الأهالي من أن يكونوا مرة أخرى ضحايا قرار حرب وسلم خارجًا عن مؤسسات الدولة.
أما فرنسا، فالصداقة التاريخية العميقة مع لبنان لا تعني أن تكون مشاركتها في اليونيفيل أمرًا فوق النقاش. فحين تتعلق المسألة بأمن الجنوب وسيادة الدولة، يجب أن يكون المعيار الفاعلية والقدرة على تنفيذ المهمة، لا العلاقات التاريخية ولا الحسابات السياسية.
الجنوب لأهله.
والسلاح للجيش اللبناني وحده.
وقرار الحرب والسلم للدولة اللبنانية وحدها.
ومن يريد فعلًا حماية لبنان، عليه أن يساعد الدولة اللبنانية على امتلاك قرارها كاملًا، لا أن يكتفي بحراسة الخطوط الفاصلة بين حرب وأخرى.














